ابن عجيبة

138

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما خاصموا إبراهيم عليه السّلام فلم يلتفت إليهم ، خوفوه بأصنامهم ، فقال لهم : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 81 إلى 82 ] وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 81 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 82 ) قلت : الاستثناء في قوله : ( إلا أن يشاء ) : منقطع . قاله ابن جزى . وظاهر كلام البيضاوي : أنه متصل ، وهو المتبادر ، أي : ولا أخاف ما تشركون في حال من الأحوال إلا أن يشاء ربى أن يصيبني بمكروه من جهتها ؛ استدراجا لكم ، وفتنة . وقال الواحدي : لا أخاف إلا مشيئة ربى أن يعذبني . يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن خليله إبراهيم : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أي : لا أخاف معبوداتكم أن تصيبنى بشئ ؛ لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً يصيبني بقدره وقضائه ، فإنه يصيبني لا محالة ، لا بسببها ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ، كأنه علّة الاستثناء ، أي : لا أخاف إلا ما سبق في مشيئة اللّه ، لأنه أحاط بكل شئ علما ، فلا يبعد أن يكون في علمه وقدره أن يحيق بي مكروه من جهتها ، أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز ؟ . وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وهو جامد عاجز لا يتعلق به ضرر ولا نفع ؟ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وهو أحق أن يخاف منه كل الخوف ، لأنه القادر على الانتقام ممن أشرك معه غيره ، وسوّى بينه وبين مصنوع عاجز ، لا يضر ولا ينفع ، فأنتم أحق بالخوف ؛ لأنكم أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً أي : لم ينزل بإشراكه كتابا ، ولم ينصب عليه دليلا ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ : أهل التوحيد والإيمان ، أو أهل الشرك والعصيان ؟ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما يحق أن يخاف منه . ثم أجاب عن الاستفهام : الحق تعالى أو خليله ، فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا أي : يخلطوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أي : بشرك ، بل آمنوا بالله ولم يعبدوا معه غيره ، أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ في الآخرة ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ في الدنيا . أما الطائع فأمنه ظاهر ، وأما العاصي فيؤمن من الخلود وتحريم الجنة عليه . ولمّا نزلت الآية أشفق منها أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ لأنهم فهموا عموم الظلم ؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس ما تظنون ، إنما هو ما قال لقمان لابنه : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ » « 1 » ،

--> ( 1 ) الآية 13 من سورة لقمان . . . والحديث أخرجه البخاري في ( أحاديث الأنبياء باب قول اللّه تعالى « ولقد آتينا لقمان الحكمة . . . ) ومسلم في ( الإيمان ، باب صدق الإيمان وإخلاصه ) من حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه .